ابن أبي الحديد
98
شرح نهج البلاغة
إذا اغترب الاسلام ، واغتراب الاسلام أن يظهر الفسق والجور على الصلاح والعدل ، قال عليه السلام : ( بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدا ) . قال : ( وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه ) ، هذا من تمام قوله : ( إذا اغترب الاسلام ) ، أي إذا صار الاسلام غريبا مقهورا ، وصار الاسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه ، وهو أصل الذنب ، ويلصق جرانه وهو صدره في الأرض ، فلا يكون له تصرف ولا نهوض . ثم عاد إلى صفة الشخص المذكور . وقال : ( بقية من بقايا حججه ، خليفة من خلائف أنبيائه ) ، الضمير هاهنا يرجع إلى الله سبحانه وإن لم يجر ذكره للعلم به ، كما قال : ( حتى توارت بالحجاب ) ( 1 ) ، ويمكن أن يقال : إن الضمير راجع إلى مذكور وهو الاسلام ، أي من بقايا حجج الاسلام وخليفة من خلائف أنبياء الاسلام . فإن قلت : ليس للاسلام إلا نبي واحد . قلت : بل له أنبياء كثير ، قال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) ( 2 ) وقال سبحانه : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ( 3 ) ، وكل الأنبياء دعوا إلى ما دعا إليه محمد صلى الله عليه وآله من التوحيد والعدل ، فكلهم أنبياء للاسلام . فإن قلت : أليس لفظ ( الحجة ) ولفظ ( الخليفة ) مشعرا بما تقوله الامامية ؟ . قلت : لا ، فإن أهل التصوف يسمون صاحبهم حجة وخليفة ، وكذلك الفلاسفة
--> ( 1 ) سورة ص 32 . ( 2 ) سورة الحج 78 . ( 3 ) سورة النحل 123 .